شارون: “صحوة” أم “قفزة” من بحر الدماء؟

كثيرون هم الذين كتبوا عن (ارييل شارون)، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، بمناسبة وفاته. وفي غمرة مطالعاتي المكثفة عما كتب، لاحظت محاولة، لا أظنها بريئة، لإسباغ صفات عليه لا أساس لها، ولاستخلاص ما أسموه “تراث شارون السياسي”. بل إن وزارة التربية الإسرائيلية أصدرت في الاسبوع الماضي توجيهات في شأن تدريس تراث (شارون). ولذلك قررت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع. كبداية، معروف أن (شارون) رجل اقتحامي، يؤمن بالقوة، وبمقولة أن “العربي الجيد هو العربي الميت”! ولقد ارتكب جرائم لا تحصى كان يتولى تنفيذها بيده أحيانا بكل ما يملك من بطش. والمقارفات، في هذا الصدد، معروفة للقاصي والداني. كذلك، كان هذا البطاش أحد الرعاة الكبار لمشاريع الاستعمار/ “الاستيطان”، وأحد أبرز مهندسي تغيير الوقائع على الأرض. وردا على قرار وزارة التربية الإسرائيلية آنف الذكر، قال (موران شرير): “وأنا ايضا لو كنت والدا لأجلست إبني وحدثته عن شخصية شارون (عندنا في البيت). ومن المؤكد أن العبارات التي كانت ستثار في الحديث هي: (مجزرة) قبية، والاربعون كيلومترا (التوغل في لبنان)، و(مذبحة) صبرا وشاتيلا، ووالد المستوطنات”.

 بدأ تأثير (شارون) البارز مع انتفاضة الأقصى والقرارات الحاسمة التي اتخذها آنذاك في مكافحته للمقاومة الفلسطينية. فبحسب الاحصاءات الإسرائيلية، كما أوردها الكاتب (عاموس هرئيل) قتل في فترة ولاية (شارون) (2001-2006) 1000 إسرائيلي وأكثر من 2800 فلسطيني. في هذه الفترة، بدأ التغير متسارعا في نظرة (شارون) للأمور، حين اتخذ ثلاثة قرارات حاسمة إبان تلك الانتفاضة وهي: عملية “السور الواقي” في آذار/ مارس 2002، بناء جدار الفصل العنصري، والانسحاب من قطاع غزة. هذا، فضلا عن سلسلة قرارات مهمة: تبني خريطة طريق ادارة الرئيس الأمريكي الأسبق (جورج بوش) ومعها أول اعتراف لزعيم من الليكود بحل الدولتين، مع الاستمرار في سياسة “الاستيطان” مخالفا وعوده للجانب الأمريكي. ورغم ذلك، أثبت (شارون) بانسحابه من القطاع بأن الحكومات الإسرائيلية قادرة على تنفيذ “تنازلات” ثقيلة. وفي هذا يقول (جدعون ليفي): “إن كل حياته ـ العسكرية والسياسية (في الداخل والخارج) قامت على شهوته للقوة التي لا كابح لها وعلى شجاعته. لكنه، وهو الأكثر جرأة، عرف أن القوة العسكرية التي قامت عليها اسرائيله لا يمكن أن تضمن مستقبلها، فهي لا تستطيع أن تحيا على سيفها الى الأبد. وقد فهم شارون ذلك وإن يكن في تأخر كثير. وفهم أن تفوقها العسكري لن يبقى لها الى الأبد”.

في مقاله الأحدث، كتب (شفيق مورتون) يقول: “أخيراً مات آرييل شارون، وانسدل الستار على ما يمكن وصفه بأنه مسيرة وظيفية كثيرة الألوان، إن لم تكن كثيرة التقلب.. المدائح العاطفية التي كتبت عنه، وكونه يناضل للتعامل مع حتمية التسوية الفلسطينية، هي مزاعم أصيلة فقط بقدر ما يمكن أن يكون الكونت دراكولا الدموي مجرد دمية دب يلعب بها طفل”. ومن جهته، كتب (شالوم يروشالمي) يقول: “في نهاية أيامه السياسية هجر شارون الليكود وأقام حزب كديما ولكن يبدو أنه علقت به المزايا التي طلبها (المتطرف الكبير) زئيف جابوتنسكي: عبقري وسخي ووحشي. عبقريا كان شارون، وكذا سخيا، وكذا وحشيا بلا مثيل”. أما (يوسي بيلين) فكتب يقول: “كان تعيينه وزيرا للخارجية مفاجئا ومثيرا للسخرية، فقد كان أشياء كثيرة، لكن من المؤكد أنه لم يكن رئيسا للدبلوماسيين. وحينما عاد من المباحثات في واي ريفر في 1998، ودعا الى استيطان كل تل وتحت كل شجرة. كان في نظري الاسرائيلي القبيح ولم أُخف رأيي”.

من يتابع حياة (شارون) يدرك أنه، مع اختلافات ليست جوهرية، زعيم صهيوني فكره مترسخ في المجتمع الإسرائيلي، قائم على العدوان والإحتلال و”الإستيطان”، وعلى أساس “يهودية الدولة”، وهو التعبير الأوضح والأحدث عن العنصرية الإسرائيلية والذي حرص رؤساء الحكومات الإسرائيلية الأخيرة، بدءا من (شارون) وانتهاء بـ (بنيامين نتنياهو) على ترديد المطالبة بها. وجوهر فكر (شارون) هو نفس جوهر فكر الصهيوينة المطعمة بالأساطير التوراتية التي ما زالت الأجيال اليهودية تتربى عليها في مؤسسات المجتمع الإسرائيلي المدنية والعسكرية. وهذا ما يفسر مقارفات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي أنجبت (شارون) وغيره من رؤساء الحكومات والقادة. في مقاله السابق، يقول (مورتون): “الحقيقة هي أن شارون الإمبراطوري المتبجح لم يكن على أي صلة بالسلام. ربما كان “براغماتياً”، لكن عمله الرئيس كان الفصل العرقي بين الإسرائيليين والعرب. كجندي، كان ذلك يعني فرض الفصل عن طريق البندقية؛ وكسياسي، كان يعني إقامة الجدران الخرسانية والأسلاك الشائكة والمستوطنات غير الشرعية”. ويصف المعلق الإسرائيلي اللاذع (أوري أفنيري) (شارون) بأنه “ذلك المزيج المطلق النهائي من الأنانية الشخصية والروح الوطنية. كان شارون مجرم حرب بحسب جميع المعايير الدولية الرائجة. ومهما تكن بواعثه فان صحوته كان يجب أن تعلم اليمين الاسرائيلي درسا لكن ذلك لم يحدث وهذا هو فشل شارون غير الوحيد. فهو لم ينجح في أن يورث أخلافه خوفه بل بالعكس، فالذين خلفوه يسيرون في طريق شارون الاول ويتجاهلون تراث شارون الثاني تجاهلا تاما”.

 لذا، يمكن القول أن (شارون) وسياسته هما نتاج، وأيضا مصدر، للجوهر وللتعبيرات التي سادت وتسود المجتمع الإسرائيلي متجسدة في التعصب والإنغلاق وتراث الدماء بحيث أسقطت كل المقولات التي تتوهم، أقلها الآن، نشوء معسكر للسلام فاعل في إسرائيل. فالإسرائيليون، وبالحد الأدنى: جلهم، مقتنعون تماماً بسياسة (شارون) الذي لم يقم، وكذلك مناصروه من الإسرائيليين وهم أغلبية، لم يقيموا أي اعتبار جدي لما يقول به المجتمع الدولي من قيم. وهو كإبن للمدرسة الصهيونية المتعصبة، لم يرض يوماً الإعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني بالعودة وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس، وجل ما فاوض ويفاوض عليه هو، ولاحقا أتباعه، هو إقامة كيان شبه مستقل للفلسطينيين مفرغ من كل اعتبارات سياسية مهمة، شيء يشبه ما هو قائم حاليا: “سلطة بدون سلطة”!!! وفي هذا كله، لا نرى عنده – كما زعمت مصادر إسرائيلية وغربية عديدة – أي “صحوة” من تراثه الدموي، بل لربما كانت هنالك “قفزة” هنا و”قفزة” هناك من بحر الدماء التي سبح في لججها (شارون) حين كان حيا، ويسبح فيها إرثه وتراثه بعد رحيله!