المفاوضات الإسرائيلية/ الفلسطينية: سيناريوهات في الأفق

هل يمكن أن تلبي المفاوضات الإسرائيلية/ الفلسطينية المطلب الفلسطيني بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتلبي في نفس الوقت، ما تنشده وما تسميه دولة الاحتلال “متطلبات الأمن القومي لإسرائيل”؟ صحيح أنه ما لم تشعر إسرائيل بأمنها “المطلق” فلن يكون هناك دولة فلسطينية مستقلة، وبالمقابل تدرك إسرائيل بأن حل الدولتين يعني نهاية معظم أشكال الإحتلال الإسرائيلي. وفي نظرة “متعاطفة” قد يقول بعض المراقبين أن لإسرائيل مخاوف أمنية “شرعية”، وأنه يجب تخفيف أو تسكين هذه المخاوف وصولا إلى إقامة دولة فلسطينية. لكن، من جهة ثانية، يقول هؤلاء المراقبون  أن على إسرائيل الأخذ بعين الإعتبار متطلبات الطرف الآخر، فضلاً عن أن انهيار المفاوضات ستكون له عواقب بارزة على “إسرائيل” وبالذات على السلطة الفلسطينية التي لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه للفترة القادمة، فالسلطة إما أن تتحول إلى دولة أو أن تنهار، فيما يدرك العالم أن الخيار الثاني ستكون تكاليفه باهظة بحيث يفقد جراءها الجميع كثيرا من الأمن والاستقرار. لكن هل يمكن أن تقبل (أو تستطيع) حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل بقيادة (بنيامين نتنياهو) إنجاح المفاوضات؟!! أم أن إنجاح المفاوضات، إن تم، سيكون عبر فرض الحل على إسرائيل، كما هو الحال عادة مع الفلسطينيين؟!!

معروف أن هناك سيناريوهات محتملة بشأن المفاوضات الفلسطينية/ الإسرائيلية، خاصة مع استحالة التوفيق بين مواقف الطرفين. فالجانب الإسرائيلي يراوغ ولا يطرح مواقف محددة بزعم أولوية الاتفاق على الترتيبات الأمنية ومن ثم خارطة الحدود السياسية والاعتراف بإسرائيل “دولة (للشعب اليهودي)”، مع إدراك “إسرائيل” حقيقة المواقف الدولية الناقدة لسياسة حكومة (نتنياهو) خاصة جهة الاستعمار/ “الاستيطان، فضلا عن مخاوف (نتنياهو) نفسه من مواقف اليمينيين الأكثر تطرفا منه في الحكومة الأمر الذي قد يساهم في انهيارها. وفي هذا السياق،  يرى عديد المعلقين والسياسيين أن أقصى ما يمكن أن تقبل به إسرائيل هو حل انتقالي يتحول تلقائيا إلى نهائي، فيما الفلسطينيون يرغبون بحل نهائي، في حين تحاول الإدارة الأمريكية التجسير بين الموقفين على أساس صيغة “حل نهائي يطبق على مراحل”، بمعنى الاتفاق على إقامة دولة “ذات حدود مؤقتة”، مترافقاً مع إطار لعناصر التسوية الدائمة يتفق على تطبيقها مرحليا. عملياً، ثمة من يعتبر هذا الترتيب حلاً مؤقتاً يسهل تمريره إسرائيلياً وفلسطينياً دون ملامات مزلزلة ضد أي منهما، خاصة في ظل بقاء القضايا الأخرى الكبرى عالقة لا تحل إلا بالأسلوب ذاته: مفاوضات جديدة لشراء الوقت إسرائيليا وخلق وقائع جديدة.

في المقابل، يرى البعض أن الرئيس (محمود عباس) مستعد للموافقة على جدول زمني “قصير المدى” لتنفيذ مبادئ التسوية النهائية على مراحل إذ أنه، في ظل الظروف الحالية الصعبة التي تعيشها السلطة الفلسطينية على كافة الصعد، نجده لا يرغب في الوقوف بوجه الإدارة الأمريكية، أو احتمال اندلاع انتفاضة تكون ضد السلطة الفلسطينية أساساً، فيما تبقى المعضلة الكبرى مع (نتنياهو) حيث كيف ستتعامل الإدارة الأمريكية مع تعنته؟ هنا، لا نختلف على إمكانية موافقة الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني منح الأميركيين فرصة تقديم “حل وسط”. لكن الواضح أن (نتنياهو) لن يقبل/ يستطيع الموافقة على أكثر من استمرار الحكم الذاتي الفلسطيني مع تأجيل قضايا الوضع النهائي، بمعنى بقاء الاحتلال. في ظل هذا التوقع، هل تستطيع الإدارة الأمريكية عندئذ فرض الاتفاق “الحل الوسط” الأمريكي على إسرائيل؟!

قطعا، لا تريد الإدارة الأمريكية ترك المفاوضات تنهار لا سيما في ظل حاجتها الماسة إلى إنجاز يعوض خساراتها في المنطقة، وهو أمر سيشجع إدارة الرئيس (باراك أوباما) على مواصلة العمل للتوصل إلى اتفاق “حل وسط”، هذا إن كانت تلك “الإدارة” مستعدة للصدام مع الحكومة الإسرائيلية والسعي إلى تغييرها مستعينة بالأحزاب والقوى العسكرية والأمنية والاقتصادية الإسرائيلية التي تدرك أهمية فرض حل أمريكي على الفلسطينيين يكون مناسبا لإسرائيل. عندها، ستعرض واشنطن على (نتنياهو) قبول “الحل الوسط” لإنقاذ إسرائيل من نفسها.. خدمة لها ولمكانة (نتنياهو) في التاريخ عبر أسلوب ناعم يتفقان عليه، مع توفر أحاديث متزايدة في داخل إسرائيل جوهرها حض (نتنياهو) على التجاوب أو التنحي. فمثلا، دعا رئيس حزب “العمل” الإسرائيلي المعارض (يتسحاق هرتسوج) (نتنياهو) إلى التنحى أو استغلال الفرصة المتاحة للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين، قائلا، “لقد وصلنا إلى لحظة الحقيقة، وإذا لم يكن نتنياهو قادرا على اتخاذ القرار التاريخي المطلوب، فعليه إخلاء كرسيه لمن يعرف ما هو القرار”. وأضاف “يوجد لنا شريك للسلام، وهناك ثمة فرصة لتحقيق السلام، وقد حان الوقت لنتوقف عن تعليق كل مشاكلنا على شماعة الفلسطينيين. فإسرائيل تسيطر منذ عام 1967 على مجتمعين، ما يجعلنا نواجه عبئاً أخلاقياً، وثمة فرصة ملحة وفورية للتوصل إلى اتفاق، ونحن فى الدقائق الأخيرة من الوقت بدل الضائع، لكن نتنياهو يواصل المراوغة”. من جانبها، قالت رئيسة حزب “ميرتس” اليساري (زهافا جلؤون): “الكرة في ملعبنا، ويوجد شريك لصنع السلام، لكنني غير متأكدة من أن نتنياهو شريك للسلام”، متسائلة، “هل هناك من يصدّق فعلاً أن لدى نتنياهو، الواقع فى أسر ثلة من المستوطنين، ووزير الخارجية أفيجادور ليبرمان الذي دمر علاقاتنا مع العالم، ورئيس حزب “البيت اليهودي” نفتالي بينيت، نية للتوصل إلى سلام؟”. سبق كل هذا، تصريحات أهم لوزير العلوم والتكنولوجيا (يعقوب بيري) المنتمي لحزب (هناك مستقبل) والرئيس السابق لجهاز “الشاباك”، الذي صرح بإنه “لا مفر من إحداث تغييرات في تركيب الائتلاف الحكومي”. وقد تواكب هذا مع اجتماعات تنسيقية علنية جرت بين الحزب الثاني الأهم هذا (“هناك مستقبل”) وبين حزب “الحركة” الذي تقوده (تسيبي ليفني). كما اتفق معلقون وكتاب إسرائيليون بارزون على إمكانية تعرض الحكومة الإسرائيلية لتغييرات جوهرية بإخراج معسكر أقصى اليمين وربما يحصل شرخ داخل حزب “الليكود”، مقابل ضم أحزاب “العمل” و”شاس” و”الحركة” مع بناء شبكة أمان من معسكر اليسار الصهيوني والكتل العربية. أما عن أرجحية فوز أي من هذه السيناريوهات أعلاه، فسؤال لن يجيب عليه بدقة سوى المستقبل!