أزمة المناخ: نقطة تحول؟

يتغير المناخ بسرعة أكبر مما كان يخشى العلماء والباحثون، الذين يرى بعضهم أن تغير المناخ هو أزمة هذا العصر وأن البشرية في سباق ما زالت تخسره لأنها لم تتحد في مواجهة هذه الأزمة. والطامة الكبرى أنه ليس على كوكب الأرض مكان بمنأى عن الآثار الكارثية المدمرة لتغير المناخ، مع تواصل ارتفاع درجات الحرارة الذي يؤجج السبب المباشر للتدهور البيئي والكوارث الطبيعية والأحوال الجوية القصوى، وانعدام الأمن الغذائي والمائي، والاختلال الاقتصادي والنزاعات والإرهاب. وهذا كله يقول به الموقف الرسمي للأمم المتحدة التي تطالب بضرورة اتخاذ إجراءات جماعية جريئة لمواجهة “أزمة المناخ”.

الأسبوع الماضي، فرض تغير المناخ وقضاياه المعقدة حضورا دوليا حيث اجتمع قادة وزعماء أكثر من أربعين دولة، في قمة افتراضية دعا إليها (جو بايدن) الرئيس الأمريكي المتحمس الذي أعاد الولايات المتحدة إلى “اتفاق باريس للمناخ”، بل ووضع ثقله عبر عودة بلاده إلى الخطوط الأمامية في مكافحة الاحتباس الحراري. وقد ناقشت هذه “القمة” العديد من الملفات الخاصة بتغير المناخ على رأسها خفض الانبعاثات ومواجهة الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي وسبل تنفيذ الدول لتعهداتها بهذا الشأن، خاصة البلدان الصناعية الكبرى المتهمة بالتسبب في الجانب الأكبر من الأزمة وهي على النحو التالي الولايات المتحدة بنسبة 22.2 %، تليها الصين بنسبة 18.4 %، ثم دول الإتحاد الأوروبي وبنسبة 11.4 %، وروسيا 5.6 %.

بعد 5 سنوات، يعود وزير الخارجية الأمريكي الأسبق (جون كيري) الذي يعد أحد مهندسي اتفاقية باريس للمناخ، لمواصلة مهمته بعد أن أعاد الرئيس (جو بادين) بلاده لاتفاقية باريس للمناخ في شباط/ فبراير الماضي، وتعيين (كيري) كمبعوث رئاسي للتغير المناخي. ومع عودة الولايات المتحدة وبقوة لاتفاق باريس للمناخ، بات ملموسا وجود ما يشبه الإجماع العالمي على ضرورة التحرك لخفض الانبعاثات الملوثة، والاحتباس الحراري. وقد تعهد (بايدن) بخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة تتراوح بين 50 و52% بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2005. وقد أكدت الصين، رغبتها في “التعاون” لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحراري مع الولايات المتحدة، حيث قررت القوتان العظيمتان وضع خلافاتهما الأخرى جانبا في هذه المناسبة. أما روسيا، فقد وعد الرئيس (فلاديمير بوتين)، الذي هو على خلاف كذلك مع واشنطن، بأن تخفض بلاده الحجم التراكمي لصافي غازات الاحتباس الحراري إلى أقل من انبعاثات الاتحاد الأوروبي في الأعوام الثلاثين المقبلة. أما الاتحاد الأوروبي، فقد توصل في اللحظة الأخيرة إلى اتفاق على خفض “لا يقل عن 55 بالمئة” لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2030 مقارنة بما كانت عليه في 1990. كذلك أطلق قادة بريطانيا واليابان وكندا والهند والبرازيل والعديد من قادة العالم تعهدات في الاتجاه ذاته.

خلاصة القول التي نتفق معها قد جاءت على لسان الأمين العام للأمم المتحدة (أنطونيو غوتيريش) في القمة الافتراضية حيث أعلن: “قمة المناخ التي نظمها الرئيس بايدن تشكّل “نقطة تحول” في مسار مكافحة الاحتباس الحراري، رغم أنه لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه. والالتزامات والإجراءات التي أعلن عنها قادة العالم في القمة الافتراضية تعطي دفعة طال انتظارها لجهودنا الجماعية لمواجهة أزمة المناخ قبل عقد الدورة السادسة والعشرين لمؤتمر الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ بمدينة غلاسكو الإسكتلندية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.