“مؤسسة الملك فيصل” والرؤى المستقبلية للجوائز العربية

كثيرون يتذكرون الأحداث الهامة التي شهدها عهد حكم جلالة المرحوم الملك فيصل بن عبد العزيز، في السياستين الداخلية والخارجية. كثيرون يتذكرون جهده في الاستفادة من دخل النفط، حين قام بمراجعة اتفاقية مناصفة الأرباح مع شركة “أرامكو” غير العادلة فعدل الاتفاقية، وانتقل بعدها دور المملكة إلى المشاركة في اتفاقيات استغلال مكامن النفط وعدم منح امتيازات استثمارات النفط إلا لمؤسسة وطنية. كذلك، يتذكر كثيرون اهتمامه الخاص بالقضية الفلسطينية، وذلك الحوار الذي أجرته مع الملك محطة “بي بي سي” البريطانية حين وجه المذيع سؤالا: “أود ان أسأل جلالة الملك ما هو الحدث الذي ترغب في أن تراه يحدث الآن في الشرق الأوسط؟”، فأجاب الملك “أول كل شيء زوال إسرائيل”. لكن ما لا ينسى من الذاكرة ما أكده وزير الخارجية الأمريكي الداهية (هنري كيسنجر) عندما قررت الدول العربية قطع النفط أثناء حرب أكتوبر 1973 عن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار الرد عليهم لانحيازهم إلى إسرائيل، فحاول (كيسنجر) أن يقوم باستفتاح حديثه بمداعبة سياسية من أجل إنجاح القضية التي ذهب من أجلها، فقال: “إن طائرتي تقف هامدة في المطار بسبب نفاذ الوقود؛ فهل تأمرون جلالتكم بتموينها؛ وأنا مستعد للدفع بالأسعار الحرة؟، حينها لم يبتسم الملك بل رفع رأسه قائلًا: “وأنا رجل طاعن في السن وأمنيتي أن أصلي ركعتين في المسجد الأقصى قبل أن أموت؛ فهل تساعدني على تحقيق هذه الأمنية؟”.

بعد اغتيال الملك فيصل، أنشأ أبناؤه في العام 1976 مؤسسة خيريّة أطلقوا عليها اسم “مؤسسة الملك فيصل الخيرية”، وفي العام الذي تلاه، قامت “المؤسسة” بالإعلان عن جائزة “الملك فيصل العالمية” تمنح للعلماء بعد اختيارهم تكريمًا لمساهماتهم البارزة في خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب. وإن كانت “الجائزة” في بدايتها غطت هذه المجالات الثلاثة، إلا أنها وبعد عامين فقط من إنشائها أضيف لها مجالان آخران لا غنى عنهما في سبيل تطور الأمم، وهما الطب والعلوم. وبحسب موقع “جائزة الملك فيصل العالمية”، “بلغ عدد من نالوا الجائزة بمختلف فروعها منذ إنشائها حتى العام الماضي 2018 (258) فائزاً يمثلون (43) دولة، بل إن من الفائزين من نال بعد ذلك جوائز عالمية أخرى بارزة على رأسها جائزة “نوبل”… ومن ضمن الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية هنالك 19 عالمًا فازوا بجائزة نوبل إما قبل أو بعد حصولهم على جائزة الملك فيصل”.

في مسارها، في سياق تدعيم وتطوير سبل التعاون في المجال العلمي والثقافي والتبادل المعرفي بين مؤسسات الثقافة العربية المانحة للجوائز، مؤمنة بأن المجد تصنعه الأعمال العظيمة، واصلت “جائزة الملك فيصل” طريقها فدعت لمنتدى الجوائز العربية نهاية العام الماضي في العاصمة السعودية الرياض والذي ضم الغالبية الساحقة من مسؤولي الجوائز وممثلين عنها على امتداد الوطن العربي، والذي ناقش الكثير من المواضيع والقضايا التي تشغل بال المتابعين للجوائز، وصولا إلى رؤى مستقبلية يبنى عليها، أفضت إلى لم شمل الجوائز العربية في “منتدى” موحد، تبعه بأشهر قليلة الاجتماع الأول “للمجلس التنفيذي لمنتدى الجوائز العربية” في 25 آذار/ مارس 2019 في الرياض برئاسة الأستاذ الدكتور عبد العزيز السبيل الامين العام لجائزة الملك فيصل. وقد ناقش “المجلس” النظام الأساسي والرؤية المستقبلية لانشطة “المنتدى” التي ستقام خلال عقد الاجتماع الثاني في مقر جائزة الملك فيصل الدولية في تشرين أول/ أكتوبر 2019، واضعا نصب عينيه واقع قطاع الجوائز المعرفية والعلمية والثقافية لاستشراف مستقبلها في ظل متطلبات العصر الحديث. ومن المؤكد، أنه مع تشكيل “المجلس التنفيذي” لمنتدى الجوائز العربية، ستسهل مسألة مواكبة كل ما يحدث من تغيرات في عصر السرعة والعولمة، للمساهمة في نهضة المجتمعات العربية وتطورها، فكلما زادت ثقافة المجتمع زاد رقيّه وتقدمه وصولا إلى الرخاء الفكري والثراء العلمي. وجدير بالذكر أن هذا “المجلس” يضم في عضويته، في دورته الحالية، كلا من “جائزة الملك فيصل” رئيسا، وعضوية كل من “جائزة عبد الحميد شومان للباحثين العرب”، “جوائز فلسطين الثقافية”، جائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية”، “جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية”، جائزة الأركانة العالمية للشعر”، وجائزة الإبداع العربي”.

وبما أن الساسة والنخب والطبقات السياسية في العالم العربي قد فشلوا في إزالة الحواجز والحدود الوهمية بين شعوب شقيقة، تاريخها ومستقبلها مشتركين، وبما أننا نعاني من واقع تجزئة وعينا الثقافي وليس من التجزئة السياسية فحسب، فلم لا تكمل الجوائز بعضها البعض؟! إن من واجب المثقفين وبالذات النخب الثقافية، أن يأخذوا – دوماً – المبادرة لتقوية أواصر الاتصال والترابط بين الشعوب العربية الشقيقة، فوحدهما -الفكر والثقافة- ما زالا قادرين على جمع كل العرب، بسلام وحب واحترام للحوار وتبادل للرأي، فالثقافة هي التي تقود الحياة وتوحد الوجدان، وإذا توحد الوجدان توحدت المجتمعات. لذا، ما المانع إن نحن جعلنا المدخل الثقافي بديلا، ولو مؤقتا، للمدخل السياسي الذي يؤمل أن يوحد الموقف العربي تجاه قضايا الأمة وعلى امتداد الخط من نواكشوط… إلى الكويت.