العنصرية في إسرائيل: من المهد إلى اللحد؟

أ‌. د. أسعد عبد الرحمن

رغم أن مظاهر العنصرية وكراهية الآخر والتحريض على العنف تضاعفت في المجتمع الإسرائيلي، خاصة بعد اختفاء “المستوطنين”/ المستعمرين الثلاثة والعثور على جثثهم، مثلما تضاعفت خلال الحرب على قطاع غزة، إلا أن الأمر المؤكد كون مظاهر العنصرية والكراهية والتحريض باتت تقوم على خلفية قومية واسعة في المجتمع الإسرائيلي، وتتكشف بصورة واضحة في المدارس. وتعتبر كتب التدريس في مختلف مراحل التعليم الإسرائيلية جزءًا من الفكر الصهيوني ممزوجة بعناصره المشجعة على العنصرية والإرهاب والكراهية. والكتب التدريسية الإسرائيلية، بالمجمل، كتب تدرس التاريخ العبري وتنكر وجود الشعب العربي في فلسطين.

فمثلا، بحسب صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، يتوقع أن يصدر الشهر الحالي (تشرين ثاني) في إسرائيل “كتاب بعنوان “صور من حياة المدرسة” من تأليف الباحثين الدكتور (عيدان يارون) والبروفسور (يورام هارباز)، يستند إلى مواقف كان مسرحها، على مدار ثلاث سنوات، مدرسة ثانوية معينة لكنها تعكس الأجواء العامة في المدارس الثانوية اليهودية في إسرائيل. وقد اقتبست الصحيفة من فصل في الكتاب، مخصص لمظاهر الطائفية والقومية والعنصرية، أقوال تلميذة في الصف العاشر تقول: “العرب بالنسبة لي هم شيء لا يمكنني رؤيته ولا تحمله. وأنا عنصرية جدا. وجئت من بيت عنصري. وإذا أمكنني خلال خدمتي العسكرية أن أطلق النار على أحدهم، فإنني لن أفكر مرتين. وأنا مستعدة لأن أقتل بيدي هاتين أحدا ما، وهذا سيكون عربيا. وتعلمت من خلال تربيتي أن تربيتهم هي أن يكونوا مخربين، وأنه لا ثقة بهم. وأسكن في منطقة عرب، وأرى هؤلاء الإسماعيليين يوميا وأتمنى لهم الموت”. وفي موضوع الانتقام، يصر أحد التلاميذ، ويدعى (يوءاف) على أن “الانتقام هو شعور هام. وهو يربط المادة الدراسية برسالته الخفية/ الظاهرة بأنه يجب قتل جميع العرب. ويبدأ الصف بالهيجان. ويتفق خمسة تلاميذ مع يوءاف، ويدعمونه ويقولون إنه يجب قتل العرب”. وقال تلميذ آخر إن “العرب هم عماليق، وهناك فريضة بقتلهم كلهم”. لكن عندما قالت تلميذة، اسمها (ميخال) إنها تؤمن بأن “الانتقام سيحدث دائرة دموية، وإنه ليس كل العرب أشرار، وبالتأكيد ليس جميعهم يجب أن يموتوا”… بدأ تلاميذ آخرون يصرخون، وبعضهم شعروا بإهانة شخصية من أقوالها، لتجد نفسها وحيدة في هذه المعركة. وتصف صحيفة “هآرتس”، هذه المظاهر الواسعة النطاق بأنها “تسونامي الكراهية” الذي يغرق إسرائيل، مشيرة إلى أن “التحريض ضد العرب وإسكات من يشتبه بأن وطنيته ناقصة، لا ينبغي أن يفاجئ أحدا”.

في استطلاع للرأي، يعتقد 95% من الإسرائيليين بوجود عنصرية يعاني منها المجتمع الإسرائيلي. فلقد أظهر الاستطلاع أن فلسطينيي 48 هم أكثر الشرائح في المجتمع الإسرائيلي تعرضا للسلوك العنصري بعد الأثيوبيين اليهود. وقال أكثر من 70% من المستطلعين أن الحكومة الإسرائيلية لا تفعل ما فيه الكفاية من أجل وقف ظاهرة العنصرية، واتهم ما يقارب الـ20%  الحكومة بتشجيعها عمليا العنصرية. وفي سياق متمم، اعترف (أمير ليفي) مسؤول قسم الميزانيات، الرفيع في وزارة المالية الإسرائيلية، بالتمييز الصارخ ضد فلسطينيي 48، إذ شدد على أن الفجوات ما تزال كبيرة جدا بين المجتمعين العربي واليهودي، فما يحصل عليه المواطنون العرب يصل بالكاد إلى 60% مما يحصل عليه المواطنون اليهود.

وبحسب صحيفة “هآرتس”، فإن الصورة التي يستعرضها الكتاب المنهجي الأحدث بقلم الباحثين البارزين (يارون وهارباز)، حول المدرسة في إسرائيل، تدل على أن كراهية العرب هو أمر يتم التعبير عنه “بشكل أساس، ومتكرر يوميا بين الفتية، وتحول إلى عنصر هام في هويتهم”. لذا، فإن أهم ما يميز “التربية والتعليم” في إسرائيل هو “عسكرتها” لدرجة تجعل الطالب جنديا، الأمر الذي يؤكد مسؤولية الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على استفحال ثقافة العنصرية والكراهية القائمة على رفض وإقصاء الآخر بسبب الخطاب التحريضي اللامسئول والانتهاكات المبرمجة التي تلقي بآثارها السلبية على المجتمع الإسرائيلي. بل إن وزارة المعارف بدأت مشروع “تسافا” الذي يؤهل ضباطا متقاعدين من الجيش وجهاز المخابرات (الشاباك) للعمل كمربين، حيث التحق المئات من الضباط يحملون الشهادات الجامعية الأولى ليندمجوا في السنوات الأربع عشرة الأخيرة في مدارس مختلفة في جميع أنحاء إسرائيل. ومن المعروف أنه على نطاق أوسع، يتم فرض الفصل العنصري في كل مناحي الحياة الرئيسية في إسرائيل: في تخصيص المسكن، وحقوق المواطنة، والتعليم والتوظيف. وليس أيا من هذا عرَضي وغير مقصود، وإنما لضمان مستقبل إسرائيل كدولة يهودية، حيث تتزايد الشواهد على أن العنصرية باتت نهج حياة في إسرائيل، وأن كراهية العرب والرغبة في موتهم أضحت مذهبا فكريا يجتاح بتزايد أوساط المجتمع الإسرائيلي… وكأنه يبدأ في المهد وصولا إلى اللحد!