إسرائيل: وداعاً للدولة المدنية الديمقراطية؟

حسب اعتقاد بعض اليهود المستنيرين، فإن مبرر إقامة “الدولة العبرية” على أرض فلسطين العربية تجلى في هدف إقامة دولة مدنية ديمقراطية، يحكمها القانون المعمول به بالتساوي على جميع مواطنيها، وإعطائهم حرية التعبير والرأي وحرية العبادة بغض النظر عن ألوانهم وجنسهم ومعتقداتهم، لتكون عنصر التغيير في منطقة الشرق الأوسط الغارقة في “التخلف الإقطاعي” بحيث تصبح منطقة متقدمة ديمقراطية مدنية يحكمها القانون الساري على الحاكم والمحكوم معاً بدون تمييز بتاتاً، لأجل السلام العالمي وحماية الاقتصاد العالمي المعتمد بشكل رئيسي على النفط العربي الحيوي للعالم الغربي. غير أن هذه النظرية المثالية تقابلها نظرية أخرى مضادة تقول بأن إسرائيل وجدت لكي تلعب دور “قاعدة الجنود المرتزقة” في خدمة المصالح الغربية السياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط الغنية بالنفط (الدم الحيوي للعالم الغربي)، وإن دورها الحربي المدجج بأحدث الأسلحة، التي تفوق قدرة كل الدول العربية المحيطة بها، يرتكز على إبقاء العالم العربي مفتتا ومتصارعا في نزاعات عرقية ومذهبية داخلية لأجل نهب نفطه بشتى الوسائل. والرأي الثاني هذا هو السائد في عقول الأغلبية العظمى في العالم العربي وحتى في عقول كثيرين في “العالم الثالث” الذي عانى من ظلم ونهب القوى الاستعمارية الغربية على مدى التاريخ.

تاريخيا، ترتكز النظرية الثانية على أحداث تاريخية سابقة حدثت مع اليهود الغربيين، المعروفين باسم الأشكنازية، الذين يحكمون دولة إسرائيل منذ ولادتها إلى يومنا هذا. الأشكنازيون: الخازار الأوروبيون الوثنيون الذين اعتنقوا الديانة اليهودية وأصبحوا مرتزقة في خدمة الامبراطورية البيزنطية لأجل حماية مصالحها التجارية، ومعيناً عسكرياً لها لأجل محاربة الدولة العربية الأموية الناشئة في منطقة الشرق الأوسط، كما تفعل تماماً دولة إسرائيل منذ ولادتها إلى يومنا هذا. وحسب الموسوعة اليهودية فإن اليهود الغربيين/ الأشكناز الذين أقاموا الدولة الصهيونية ليسوا من العرق السامي ولا يمتوا لإبراهيم عليه السلام بصلة قرابة بتاتاً ولم يكونوا يوماً في أرض فلسطين كما يدعون. وفي الأصل، كانت الدولة الخازارية دولة دينية يحكمها “مجمع الحاخامات” أي قريب من الحال المتزايد في إسرائيل منذ قدوم الليكود وحلفائه إلى الحكم في أواخر السبعينات من القرن الماضي. فالحاخامون في إسرائيل مكون أساسي في القسم المحافظ المتطرف من الأشكناز والذي اعتمد مرسوماً دينياً كفر فيه “اليهود المجددين” أي غالبية اليهود في أميركا لكونهم نحّوا التلمود جانباً، وهو الكتاب الذي ألفه الحاخامون لتفسير التوراة المملوء بالعنصرية والاستكبار والذي تفوق عنصرية بعض فصوله الفكر النازي الشنيع. وإسرائيل اليوم ببعض قواها تميل تدريجيا نحو نموذج دولة الخازار الدينية المأجورة التي أصبحت تكفر كل من يخالف مذهبها اليهودي المتطرف وتكاد تدفن الدولة الديمقراطية المدنية.

الجدال اليوم في إسرائيل بين من يؤيد الدولة المدنية الديمقراطية وبين من يدعو إلى إقامة دولة دينية تكفّر وتلغي كل من يعارضها. وقد أصدر يهود في إسرائيل وفي جميع أنحاء العالم، من ذوي العقلية المدنية التي تؤمن بالديمقراطية وبدولة القانون، “ورقة نعي” يندبون فيها زوال الدولة الديمقراطية المدنية في إسرائيل. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مقال (دانيال سوكاتش) الذي يشرح فيه القرارات البرلمانية التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية مؤخراً لأجل تكميم الأفواه ومنع حرية الرأي والكلام: “هذه الإجراءات القانونية حرمت المؤسسات غير الحكومية الإسرائيلية من استلام المساعدات المالية التي تمكنها من الدفاع عن الحرّيات العامة التي تحمي “دولة القانون” الساري بالتساوي على الحاكم والمحكوم من المواطنين في إسرائيل إن كانوا من اليهود أو غير اليهود”. كما دان الكاتب “الإجراءات البرلمانية الماكرة التي تمّ رسمها وصياغتها لتحد من نشاط المؤسسات غير الحكومية الإسرائيلية التقدمية المستنيرة، ولكي تدعم منظمات المحافظين الجدد اليمينية المتطرفة التي تستلم ملايين الدولارات من الأغنياء في أمريكا ومن الأصوليين المسيحيين الذين يسمون أنفسهم باسم “المسيحيين الصهاينة” لأجل منع توجيه الانتقادات إلى الحكومة التي تدعم إقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية”. وقد أفصح الكاتب عن اشمئزازه العميق من الحكومة الإسرائيلية التي تدعم بكل الوسائل “اليهود المحافظين المتطرفين الذين يسعون إلى تنفيذ مشيئة الله لإقامة دولة إسرائيل الكبرى” أي من النهر إلى البحر. وخلص إلى أن: “إسرائيل تدعي أمام الناس في الخارج بأنها تمثل مجتمعا مدنيا عادلا شفافا يؤيد حل الدولتين ولكن وراء الستارة تدعم أقلية مسيطرة قوية تهدد أجندتها المتطرفة الحريات العامة التي ستدمر الثقافة الديمقراطية الهشة في إسرائيل”.

على صعيد متمم، ثمة تأكيد على نجاعة موقف المنظمة المدنية الفلسطينية التي تعمل، منذ إنشائها في العام 2005، على مقاطعة إسرائيل تحت إسم BDS حول العالم حيث أن موقفها العادل أقنع عديد المجتمعات المدنية في بلدان كثيرة بما فيها إسرائيل نفسها. فلقد كتب الصحفي الإسرائيلي الشهير (جدعون ليفي) مقالاً تحت عنوان: “آخر ملجأ لكل وطني” يحث فيه كل إسرائيلي يحب وطنه “بمقاطعة إسرائيل وعزلها دبلوماسياً كما حصل مع جنوب إفريقيا العنصرية الذي أدى إلى سقوط نظامها الكريه”. وقد دعا (ليفي) العالم لمقاطعة إسرائيل حتى تنهي احتلالها غير الشرعي لفلسطين، أي أن هذا الكاتب الإسرائيلي الذي يريد تغيير النظام العنصري الحاكم في إسرائيل بطريقة سلمية، لم يجد ملجأ له سوى مبادئ BDS الفلسطينية التي أصبحت اليوم تغطي غالبية البلدان والأقطار في تواصلها الدائم مع المجتمعات المدنية لأجل حماية الحقوق المدنية وشرعة القانون الساري على الحاكم والمحكوم معاً. وآخر أبرز من تبنى موقف BDS المقاطع لإسرائيل كان الاتحاد الأوروبي الذي أعلن مقاطعته انتاج “المستوطنات” في الاراضي الفلسطينية المحتلة واعتبارها مستعمرات غير شرعية. وبهذا أكد الاتحاد الأوروبي حدود الدولة الفلسطينية بحدود 1967، وإن إسرائيل نفسها ستصبح غير شرعية إذا ضمت هذه الأراضي إلى “حدودها الرسمية”. وعلى غرار القرار الجرئ والتاريخي للاتحاد الأوروبي، جاء قرار (ليفي) الذي دعا فيه كل صاحب ضمير إلى تحرير إسرائيل من سيطرة أقليتها العنصرية الدينية التي “تدعو إلى شيطنة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وإلغائها من الوجود”. إن هذا الفكر التكفيري، حسب رأيه، “سيجلب الدمار لدولة إسرائيل وإلى قسم كبير من الشرق الأوسط”.