عن القدس ثانيا وثالثا.. وعاشرا

نسمع كلاما معسولا ونرى عواطف جياشة عن القدس الشريف في جميع المؤتمرات واللجان وورشات العمل العربية. ونسعد بإعلانات المسؤولين العرب في قممهم عن إنشاء صناديق بمئات ملايين الدولارات لدعم صمود القدس فيما الأمر حقيقة لا يتعدى رصد ملايين من الدولارات الوهمية وفقا لبيانات رسمية صادرة عن مسؤولي منظمة التحرير الفلسطينية. وفيما يعيش أهالي القدس قلقا دائما جراء استمرار سلطات الاحتلال الاسرائيلي في تنفيذ سياسة هدم المنازل بالمدينة المقدسة وأحيائها بحجة البناء غير المرخص، يصرف ملياردير يهودي واحد هو (ارفين مسكوفيتش) أموالا لتهويد القدس بما يفوق أضعاف ما تقدمه كل الأنظمة المسلمة والعربية وغالبية المقتدرين والمتنفذين الفلسطينيين الشعبيين والرسميين، حيث تكللت مهمته الأبرز – حتى الآن – في بناء مستعمرة/ “مستوطنة” “أبو غنيم” العملاقة في قلب القدس المحتلة مع شراء عقارات وتخطيط مصمم لإقامة “مستوطنات” أخرى في قلب المدينة المحتلة، في حين لم تقم كل الأنظمة المسلمة والعربية ببناء حي سكني واحد في القدس؟!!!

ومع تواصل وتكثيف حملة التوسع الاستعماري/ “الاستيطاني” في القدس المحتلة، شأنها في ذلك شأن محيطها في الضفة الغربية، أصبحت المدينة المقدسة محاطة بحزام “استيطاني” يزداد تمددا في كل الجهات بل وتوغلا في كل الحارات والبلدات، الأمر الذي قلص الوجود العربي في القدس وحول الأحياء الفلسطينية فيها إلى كانتونات ينزرع فيها “الاستيطان” كما هي الغدد السرطانية. فتهويد القدس، جوهر المشروع الصهيوني، الديني والسياسي الراهن، لا تتراجع دولة إسرائيل الصهيونية عن تحقيقه مهما تكن الاسباب والظروف. وقد انتهجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي سياسات وإجراءات عنصرية ممنهجة ضد فلسطينيي القدس على مدى العقود الأربعة الماضية من احتلال القدس الشرقية، بهدف تقليص عدد السكان الفلسطينيين وتهجيرهم خارج ديارهم. فهذه السلطات تسعى، من جهة، إلى تكثيف الاستعمار/ “الاستيطان” وتستهدف، من جهة ثانية، تهجير السكان المقدسيين من خلال إيجاد ظروف معيشية قاسية وبالذات في السنتين الأخيرتين.

اليوم، هناك هجمة مركزة تشنها إسرائيل على المدينة بهدف تغيير الواقع الديموغرافي لها وذلك بسبب قراءة إسرائيلية تقول إن سكان القدس العرب ستبلغ نسبتهم حتى العام 2040، 55% من عدد سكان المدينة. ولذلك، قامت إسرائيل بخطط بديلة منها تهجير الفلسطينيين عن مدينة القدس عبر سياسة هدم المنازل، والتهجير عبر التضييق على أهالي المدينة، وهو ما أكدته صحيفة “هآرتس” مؤخرا، حين ذكرت أن “الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى ضم الكتل الاستيطانية الكبرى المحيطة بالقدس والتي يبلغ تعداد سكانها قرابة 150 ألف مستوطن مما سيؤثر على نسب التواجد اليهودي في المدينة”. وفي الأخبار، أن لجنة التنظيم والبناء الإسرائيلية في بلدية القدس المحتلة وضعت خطة تنفيذية لهدم 450 منزلا عربيا. وهناك أكثر من 20 الف شقة ومنزل فلسطيني بالقدس يتهددها الهدم الاسرائيلي بحجة عدم الترخيص حيث تفرض سلطات الاحتلال مبالغ مالية طائلة على المواطنين اذا ما تقدموا لبلدية الاحتلال بطلب للحصول على رخصة بناء.

في تقرير “جمعية حقوق المواطن في اسرائيل” قالت هذه المنظمة غير الحكومية ان “ثمانية من أصل عشرة فلسطينيين في القدس الشرقية يعيشون تحت خط الفقر أي نحو 80% “من السكان العرب”، مع العلم أن أرقام صادرة عن الامم المتحدة تشير إلى أن عدد السكان الفلسطينيين في المدينة يصل الى نحو 293 الفا من اصل 800 الف مقيم. ويضيف التقرير بان “جدار الفصل العنصري يقطع القدس الشرقية عن الضفة الغربية مما ادى الى تفاقم الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية أصلا للسكان”، علاوة على الإذلال المستمر حيث أن نحو 90 الف فلسطيني من حملة بطاقة الهوية الزرقاء من القدس “يمرون عبر الحواجز بشكل يومي من أجل الوصول الى العمل او المدرسة او الحصول على خدمات صحية وزيارة عائلاتهم”. هذا، عدا عن كون المستشفيات في القدس الشرقية تعاني من صعوبات مادية بسبب انخفاض عدد المرضى وعدم قدرتهم او قدرة الطواقم الطبية على الوصول اليهم من الضفة الغربية. ويختم التقرير بأنه “منذ العام 1967 صادرت الحكومات الاسرائيلية ثلث الاراضي الفلسطينية في القدس وبني عليها الاف الشقق للسكان اليهود في المدينة”. وقد قامت وزارة الداخلية الاسرائيلية في العام 2012 بسحب اقامة 116 فلسطينيا من القدس الشرقية مما يرفع عدد “الذين لم يعد يسمح لهم بالعيش في مدينتهم” منذ عام 1967 الى 14 الفا. في المقابل، أكدت “مؤسسة الأقصى للوقف والتراث” أن رصدها لوقائع ممارسات الاحتلال وكذلك رصدها لما يرشح من معلومات من جهات إسرائيلية احتلالية مختلفة فيما يخص منطقة حائط البراق، غربي المسجد الاقصى، يدلل أن هناك مخططات تنفيذية وشيكة ستؤدي الى تهويد كامل منطقة البراق، لتغيّر المشهد العمراني الاسلامي العريق بشكل كبير، وتخفي وتدمّر الكثير من معالم الآثار الاسلامية في محيط المسجد الأقصى.

بعيدا عن المواقف العربية التي لا تتعدى التنديد والاستنكار والتذكير بأن السياسة الإسرائيلية تؤدي الى اشاعة التوتر في المنطقة وزيادة الياس والاحباط وسط الشعب الفلسطيني ووضع المزيد من العراقيل امام “عملية السلام” المتعثرة أصلا، فإن الدعم العربي والإسلامي للقدس يثير الشفقة. فرغم أن الأمر يتعلق بأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، فإن ما يقدم هو مجرد وعود فقط وإن تحققت على أرض الواقع فهي لا تتعدى ملايين لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة متناثرة بين عدة صناديق، رغم أن الهدف الأسمى هو دعم صمود أهل زهرة المدائن وعاصمة الشعب الفلسطيني في وجه الهجمة الشرسة التي تتعرض لها.

فلسطين عامة، والقدس خاصة، ليست قضية خاسرة رغم تراجع أهميتها في ظل التحولات العارمة في العالم العربي اليوم. ونصر ونعيد التأكيد على أن الفلسطينيين وعموم العرب والمسلمين يرونها قضيتهم الأولى. المهم: كيف نتخطى المشاعر والشعارات من خلال العمل على الأرض أقلها في المجالات الحياتية مثل الإسكان والتعليم والخدمات الصحية والاجتماعية والاقتصادية، وهذا أقل المتوقع. وعلينا دوما أن نتذكر بأن القدس بالنسبة لإسرائيل ولكل يهودي في أي بقعة من أصقاع العالم هي – قولا وعملا – القلب النابض (للشعب اليهودي) و”لا تنازل عن القدس أبدا”. فمتى نتشبه بهم ونقتفي خطواتهم؟